اخر الاخبار

المقالات والآراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

فريد موسى

تُعتبر حكاية "فاطمة صالح آغا" من الحكايات المعروفة لدى أغلبية الكرد السوريين وخاصة أبناء "القامشلي" و"عامودا". اكتسبت هذه الشهرة لكونها من القصص التي تحولت إلى لونٍ غنائي تم سرد أحداثها وفق نمطٍ يُعرف بغناء "الشر" لذلك كان من السهولة نقلها من جيلٍ لآخر، أما تفاصيلها فهي كما رواها السيد "يوسف قرموطي" قائلاً: «لم يكن هناك شابٌ بجمال ورجولة "محمد" فهو ابن أحد أشهر أغوات منطقة "هوسكا"* ويملك والده ما يملك من أراض وممتلكات جعلته بمثابة أمير بين قومه، والحكاية بدأت عندما كان ثلة من شباب القرية يقضون وقت فراغهم في اللعب بكرةٍ مصنوعة من القش المضغوط وقيام "محمد" بركلها بقدمه قبل أن تصطدم بجسم أحد الشباب ويغمى عليه، والدة هذا الشاب ترى ابنها الوحيد أمام عينيها وهو مرميٌ على الأرض وتبدأ بالنواح وتأنيب "محمد" على فعلته الشنيعة وتخاطبه بتذمر قائلةً: (لما كل هذا التكبر والتعالي على الغير وكأنك متزوجٌ من "فاطمة" ابنة "صالح آغا") ترسّخ كلام العجوز في ذهن "محمد" وطلب منها أن تفصح عن هوية تلك الفتاة التي تدعى "فاطمة" مهدداً إياها بالقتل إن لم تبح بمكان وجودها؛ على أثر ذلك أخبرته العجوز بأن "فاطمة" ذات الجمال الساحر ابنة الآغا "صالح" تسكن مع عشيرتها في مكانٍ بعيد يحتاج السفر إليها جلداً وصبراً، في تلك الليلة لم يستطع "محمد" الخلود للنوم وأمضى ليلته بالتفكير في وسيلةٍ توصله لتلك الفتاة التي كانت سبباً في هجرة النوم من عينيه».

ويتابع عنه بقية الحكاية السيد "خليل رمو" قائلاً: «مع بزوغ فجر يوم جديد انطلق "محمد" في رحلةٍ لا يعرف متى ستنتهي وإلى أين سيؤدي به 

تكبير الصورة
السيد "يوسف قرموطي"

المطاف باحثاً عن فتاةٍ لا يعلم عنها شيئاً سوى اسمها؛ وقبل أن يغادر الديار

خلع عنه ملابس الأغوات وارتدى ثياباً رثّة توحي للناظر بأنه شخصٌ فقير لا يملك شيئاً. وبعد رحلةٍ شاقة مع التعب والأرق دامت ثلاثة أيامٍ بلياليها؛ التقى "محمد" مع بعض الرعاة الذين يسرحون بقطيع من الأغنام والماعز وحين سألهم عن أصحابها أجابوه بأنها ملكٌ للآغا "صالح" لم يصدق الشاب ما سمعه وطلب منهم اقتياده للقرية بعد أن أخبرهم بأنه يبحث عن عملٍ يغنيه عن الحاجة للناس، وأثناء وجوده في الإيوان دخل أحد الرعاة وطلب من الآغا أن يمنحه استراحة لبضعة أيام لزيارة زوجته وأطفاله، لكن "صالح" آغا احتار لعدم وجود بديل يحل مكان الراعي؛ وقتها انتهز "محمد" الفرصة وعرض نفسه أمام الآغا طالباً منه أن يوافق عليه كبديل للراعي، كانت هذه أول خطوة يخطوها الشاب لبلوغ غايته المنشودة بعدما وافق الآغا على طلبه».
أما ما تبقى من أحداث الحكاية فرواها لنا السيد "حسن آلوجي" قائلاً: «مرّت الأيام والليالي و"محمد" يتحمل التعب والأرق في عملٍ لا علاقة له بطبيعة حياته التي أمضاها بين أفراد عشيرته حيث الغنج والدلال والترف، وقد جرت العادة أن تذهب نساء القرية في كل صباح لحلب الغنم والماعز؛ وفي مرة من المرات التقت إحدى تلك النساء بالراعي الجديد وأٌعجبت كثيراً بجماله ما جعلها تُخبر ابنة الآغا "فاطمة" عما رأته في المراعي، لم تستطع "فاطمة" أن تنسى كلام الفتاة عن ذلك الشاب الغريب؛ لذلك سلكت دربها وسط المراعي لتتأكد بنفسها؛ 

تكبير الصورة
السيد "حسن آلوجي"

وعند مقابلتها له لم تصدق ولم تقتنع بأنه راع ويمتهن تلك المهنة وخاطبته قائلة: (لا يمكن لشابٍ وسيم مثلك ويملك أصابع ناعمة ووجهٍ حسن أن يكون راعياً؛ فأرجو أن تُخبرني عن حقيقة الأمر) وبعد حوارٍ طويل دار بينهما اعترف "محمد" بحكايته منذ لحظة سماع اسمها من المرأة العجوز وحتى يوم قبوله أن يكون راعياً لدى والدها؛ وأخبرها بأنه ابن أشهر أغوات المنطقة وأنه تحمّل كل تلك المتاعب من أجل حبه لفتاةٍ راودت مخيلته طوال تلك الفترة، وحينما قصّ حكايته على مسامع الآغا قرر تزويجهما وأقيمت الأفراح سبعة أيامٍ بلياليها احتفاءً بقصة حب وِلدت دون أن يعرف أحد الحبيبين الآخر».
قام بسرد هذه الحكاية عدد من الفنانين الكرد في "سورية" وفق نمطٍ غنائي يطلق عليه اسم أغاني الـ"شر" حيث يقول الأستاذ "محمد رفيق" (مُدرس تاريخ): «هي حكايةٌ واقعية وغنّاها الكثيرون من الفنانين الكرد أمثال "رفعت داري" و"عبدلو" لكنها من الفلكلور الكردي وما قام به هؤلاء الفنانون هو عبارة عن إحياء لهذه القصة؛ فقد غناها الفنان "رفعت" قبل ربع قرن تقريباً وأجاد غناءها بكل احتراف».
وحول السلم الموسيقي الذي اتبعه الفنانون في تنظيم الجمل الموسيقية لهذه الحكاية؛ قال الفنان "علي داري": «تم اعتماد مقام "عجم" لأداء هذه الأغنية الفلكلورية والتي يستغرق غناؤها أكثر من ساعةٍ ونصف لسرد الحكاية بأكملها؛ وأكثر من أجاد غناءها هو الفنان "رفعت داري" وذلك بفضل طبقة صوته التي تتخطى العلامة الموسيقية العالمية "صول" حيث مكنته من الاستمرار في أدائها حتى نهاية القصة؛ كما 

تكبير الصورة
الفنان "رفعت داري"

 

ساعدته في منافسة كل من حاول أداء مثل هذا النمط الغنائي الذي يُعرف بالـ "شر"».

لم يكن لهذه الحكاية نصيبٌ من الشهرة لولا سردها غنائياً مثلها مثل أية قصةٍ أخرى انتشرت بين الناس خلال سنواتٍ ماضية بفضل جهود الموسيقيين والمُطربين، في الوقت الذي ظلت فيه الكثير من الحكايا مندثرة تحت غبار الزمن ولم تجد أحداً يبدد سحابة النسيان عنها حتى اليوم.
هامش:
•"هوسكا": هي منطقة واقعة على الحدود السورية- التركية بمحاذاة ناحية "عامودا".
•الصورة الرئيسية هي لوحة من أعمال الفنان التشكيلي "سوار قرموطي".

 
.facebook