
يجري الحديث اليوم عن ربيع الثورة والانتفاضة في الشرق الاوسط و البلدان العربية. في خضم هذه التحولات، لكردستان دور فعال في التحولات الشرق اوسطية. لهذا يمكن رؤية المشروع الامريكي و الاوروبي الغربي الذي يستهدف بناء الشرق الاوسط الكبير. لكن كيف لهذا المخطط ان يرى طريق النجاح، في غياب تعاطف الشعوب الشرق اوسطية، لهذا المخطط من الاساس. بالطبع عندما يتم يتحدث المرء عن عدم التعاطف، فهذا ينجم من كون هذه الشعوب اسلامية، و تتعارض مع الهجمات الصليبية العصرية. من الطبيعي ان تعمد القوى الامبريالية الرأسمالية الاوروبية والامريكية، الى محاولة اعادة تشكيل الخارطة السياسية للشرق الاسلامي. و لكن هذه المرة على يد تنظيمات اسلامية لاضفاء الشرعية على الحكومات المتكونة في المراحل الانتقالية للربيع العربي والشرق الاوسطي.
لكن من هي القوى او التنظيمات التي يمكن ان تقوم بهذا الدور والفتح الجديد في المنطقة؟ الحليف التركي في الناتو للقوى الغربية هي الدولة التركية و حزب العدالة و التنمية، حزب اسلامي سني معتدل و له علاقة جيدة مع الحليف الاسرائيلي للقوى الغربية في المنطقة. الخلافات التي وردت في وسائل الاعلام بين الجانبين، لم تكون سوى جزء من سيناريو للدعاية لحزب العدالة والتنمية و موقفه المعارض لاسرائيل. للتمهيد للفتح الاردوغاني في البلدان العربية. و الى نحو ما نجح الحزب الاردوغاني للعب الدور الريادي لبعض حركات الاخوان المسلمين، او لحركات سلفية اسلامية اخرى كما في ليبيا و تونس و مصر ايضا.
بالطبع هذا جزء من مخطط توسعي خطط له مسبقا، من قبل القوى الغربية في المنطقة، في المرحلة التي مازالت فيه الشعوب تحلم بربيعها و تطلعاتها نحو الحرية، يجري الاستيلاء على هذه الاحلام ضمن مخطط و برنامج مسبق اوكل الى هذه التنظيمات المتعاونة مع القوى الاوروبية و الامريكية الغربية.
اما على الصعيد الكردستاني فان اتفاقية لوزان التي انعقدت في24 تموز 1923 ما زالت سارية المفعول و لا وجود لكردستان حرة في هذه المخطط الجديد. حزب العدالة والتنمية التركي يسعى مع حركة اخوان المسلمين السورية في المجلس الوطني الى تهميش القضية الكردية و القضاء على اية حركة كردية مستقلة.
اذا كيف يتعامل حزب العدالة و التنمية مع المسألة الكردي؟ ما لا يخفى على احد بان الكرد في سورية لا يقبلون اي تدخل تركي في المنطقة. فعداء الدولة التركية للكرد معروف. فان كان هذا معروفاً، كيف يتم تعليل تدخل تركيا في الشؤون السورية بشكل عام و الكردستانية بشكل خاص. ان هذا ليس قبيل المصادفة. فان لم تنجر بعض القوى و الاحزاب الكردية الى هذه المخطط، كيف لحزب جماعة فتح الله غولان ان يمتاز بهذه المناورة و سهولة الحركة الاستخباراتية في كردستان. هناك تموضع لهذا الجماعة في جنوب كردستان. على سبيل المثال توجد جامعات (IŞIK –CÎHAN)في كل من السليمانية و هولير. و هي تعمل بناء على برنامج ممنهج و مخطط له من قبل جماعة فتح الله غولان التركية التي تسعى و مازالت الى صهر و انكار وجود الشعب الكردي.
من جهة اخرى واصلت الشركات التابعة لمسؤولين في حكومة اردوغان بالتوغل في السيطرة على جميع النواحية الاقتصادية في كردستان. حيث زادت الاستثمارات التركية كالورم السرطاني في بنية اقتصاد اقليم جنوب كردستان، مثل شركات الانشاءات والمقاولات التجارية و القطاع الصناعي و الخدمي و الى ذلك من النواحي الاقتصادية. حدث غزو كبير للمنتجات التركية لسوق الاقليم، ناهيك عن القواعد العسكرية التركية التي مازالت متواجدة في مناطق بهدينان. كل ذلك على علم من الساسة في اقليم كردستان. بالطبع هناك مطالب شعبية تطالب باخراج هذه المواقع التركية من جنوب كردستان، لكن لا من يصغي و لا من يسعى الى الاصغاء الى مطالب الشعب.
لفهم طبيعة تعامل حزب العدالة و التنمية مع القضية الكردية، من الصائب التطرق الى محاولات المجلس الوطني الاستنبولي، لجر الاحزاب الكردية السورية الاحدى عشر الى داخله. زيارة برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري لاقليم كردستان في الاونة الاخيرة.
اذا كيف يتناسى المرء من جهة اخرى الاتفاقية الامنية التي عقدت بين الجانبية السوري و التركي في عام صيف 1998
و التي استهدفت الحركات الكردية في شمال كردستان و تسليم كوادر لحزب العمال الكردستاني الى تركيا و التي اشار فيها وزير الخارجية وليد المعلم في مؤتمر صحفي قبل شهرين بان هذه الاتفاقية سارية المفعول ضد الحركات الكردية.
تخطر على بال المرء بعض الاسئلة و منها ماهي الابعاد الخفية لالتقاء برهان غليون رئيس المجلس الوطني السوري في استنبول مع الساسة في اقليم جنوب كردستان؟. لم يتخلل ذلك الامر زمنا طويلا، حتى تناولت بعض وسائل الاعلام اجتماع البارزاني بـ احد عشر حزبا كرديا من المعارضة الكردية في سورية مع اقصاء واضح لحزب الاتحاد الديمقراطي و حركة المجتمع المديمقراطي في غرب كردستان عن هذا الاجتماع.
مهما كانت الاسباب التي تكمن وراء هذا الاجتماع، فانها تصب في منحى واحد الا وهو جر هذه الاحزاب الكردية ضمن بوتقة المجلس السوري الاستنبولي، ليحصل المجلس الاستنبولي بذلك على شرعية اكبر في تمثيل الشارع و الحراك الجماهيري المنتفض. عندها يكتمل المخطط الغربي عبر حزب العدالة والتنمية في اقصاء الدور الفعال للمعارضة الكردية الحقيقية عن التحولات التي تحدث على الساحة السورية. بالطبع لايمكن بناء هذا الرأي على اسس و افتراضات فحسب، الامر الذي لا يقبل به علم الاجتماع. علم الاجتماع علم ينتاول الاحداث وفق حقائق وقوانين موضوعية. الم تكن شعارات المجلس الوطني السوري تصب في بوتقة التمهيد للتدخل الدولي الاجنبي، بمعنى اخر تدخل الشرطي الغربي اي الدولة التركية. و عند اجراء مقارنة بسيطة بين المطالب التي تمخضت عن مؤتمر احزاب المعارضة السورية الاحدى عشر، يظهر بانها تعلن نفس المطالب، حتى تطالب باقامة منطقة عازلة على الحدود المتاخمة مع تركية. فان تم الحديث عن منطقة عازلة، بالطبع ستكون تحت الاشراف المباشر لتركيا. المجلس الوطني السوري، حزب العدالة التركي بدءا بحملة تشويه و اشاعات ضد حزب الاتحاد الديمقراطي، و لم تتاخر الاحزاب الاحدى عشر الكردية عن هذه الحملة التي تستهدف هذا الحزب الكردي. المجلس الاستنبولي يقول بانه لا توجد قوة تسقط هذا النظام سوى التدخل الدولي، الاحزاب الكردية تقول نفس الشعار، اي التدخل الاجنبي الدولي هو الوسيلة الناجحة لتحقيق هذا التحول. السؤال هنا هل ستتحقق الثورة السورية و تصل الى اهدافها عبر التدخل الدولي ام عبر ارادة الشعوب الحرة.
لاجراء تقييم بسيط وفق علم الاجتماع، فان الشعوب الحرة هي القوة المحركة التقدمية الثورية للتاريخ. هل على المرأ ان يؤمن بالقوانين العلمية للتاريخ، ام يرجح ما تريد له المصالح الضيقة البعيدة عن سير عملية التاريخ ان تكون.... هي اسئلة تطرح نفسها بشكل ملح و تطلب الاجابة عنها... المعلم الاكبر هو التاريخ ، و العبرة لمن اعتبر....
مصطفى ريزان