اخر الاخبار

الموقف الروسي- الصيني باستخدام فيتو مزدوج ضد مشرع قرار إدانة العنف في سوريا جاء صدمة لأغلب من المهتمين بالشأن السوري, فبينما تواصلت النقاشات في أروقة مجلس الأمن الدولي على تعديل مسودة القرار الذي تقدمت به المملكة المغربية كان أغلبنا لازال يحلم بصدق التحليلات القائلة بأن هاتين الدولتين, أي روسيا الإتحادية والصين, على أقل تقدير ستمتنعان عن التصويت خصوصا وأن إنعقاد مجلس الأمن تزامن مع تصعيد الحملة العسكرية من قبل النظام السوري وإمعان آلة القتل المنظم من قبل أطراف النظام من جيش, استخبارات وشبيحة بهمجية لا سابقة لها.

لكن الآن وبعد تعطيل قرار الإدانة بات واضح بأن تكتيك التسويف والمماطلة الذي إستخدمه الوفدان الروسي و الصيني وفرض الشروط التعجيزية لم يكن من أجل تمرير القرار بل من أجل تمييعه عن سابق إصرار وتصميم وبات واضحا أيضا أن النظام في دمشق كان قد حصل على الضوء الأخضر من موسكو وبكين بتصعيد الحملة العسكرية وإلا لما تجرأ على بدئها تزامنا مع إنعقاد جلسات مجلس الأمن.

لقد ذاب الثلج وبان ما كان مخفي, لذلك هنا لا سبيل لوصف ما نحن بصدده سوى تجريد يتناول الأمور بمسمياتها فالواضح من الخلاف بين أقطاب النظام العالمي و خصوصا موقف المحور الروسي –الصيني تجاه قتل السلطة السورية لشعبها فيه فرز واضح بين دول تقر بحق الشعوب في تقرير مصيرها وإختيار النظام السياسي الذي سيحكمها و أخرى تحكمها مافيا الرعاع تريد فرض سلطتها على شعوبها ونهب خيرات بلادانها بالقوة وفي نفس الوقت تؤيد القتل الجماعي للمعارضة وفي نفس الوقت تنسق آليات العمل فيما بينها بأسلوب الكارتيلات العابرة للقارات, فلولا أن السلطة في دمشق وموسكو وبكين كانت متماثلة في هياكلها وأساليب تداولها للسلطة لما أحست بخطر مشترك يفرض عليها وحدة الصف والموقف, فلو أن "موسكو القيصر بوتين"- وليس الطرطورمدفديف- وافقت على إدانة القمع في سوريا فهي تدرك أنها تشرعن أيضا الإنتقادات الموجهة لتزوير الإنتخابات الأخيرة للدوما الروسية وبشكل مباشر توقع على برتوكول إدانة ممارساتها المافيوية لتداول السلطة بالطريقة "الأسدية" وتفتح الباب لدعم المعارضة التي تصرخ في ساحات موسكو كل يوم " بوتين آوت"

حالة الفيتو المزدوج هي بوادر لعبة سياسية جديدة أفرزها واقع النظام العالمي الجديد المتعدد الأقطاب وهي عنوان لترجيح كفة البراغماتية السياسية, أي المصالح بكل تجريداتها على حساب مفهوم الأخلاق بكافة أبعاده, فعندما تكون هياكل بعض الدول ترجمة حرفية لهياكل المافيا فليس من أدنى شك بأن السياسة الخارجية لتلك الدول أيضا ستتحول الى ترجمة حرفية لآليات عمل المافيا.

بوادرالتحزبات التي أفرزتها كواليس مجلس الأمن فيها فرز واضح بين تكتلين حدثا داخل أقطاب النظام العالمي الجديد والأسس التي عليها ترتكز هذه التكتلات باتت أيضا واضحة للقاصي والداني فمهما حاول الإعلام التشبيحي من اقناعنا بأن نوايا الإمبرالية وأهدافها هي فقط التدخل في شؤون الشعوب الأخرى, فمواقف تلك "الإمبريالية" المتمثلة بتكتل أمريكي- بريطاني -فرنسي هي أشرف وأكثر إنسانية من التكتل في الجهة المقابلة والمتمثل بالموقف الروسي-الصيني وأذيالهم, فعلى أقل تقدير التكتل الأول لازال يحمل بعض معالم حضارة عريقة من إرث الديمقراطية أما الثاني فهو لسان حال ديكتاتوريات بائدة لامحال و دول تبنّت أعراف المافيا.

فإذا كانت معضلة العلاقة بين السياسة والأخلاق قد حيّرت كثير من المحللين قبل جلسات مجلس الأمن الذي إنعقد بخصوص المسألة السورية فاليوم وأمام ماحدث في ذلك المجلس باتت المسألة واضحة وضوح الشمس فبينما الشعب السوري يحمل لافتة كتب عليها "أريد الحرية وبس" فروسيا والصين قد رفعتا شعار نعم لإنتهاك حقوق الإنسان نعم لقتل الأبرياء نعم للتمثيل بالجثث نعم لإغتصاب الأطفال, وكل ذلك فقط في سبيل الحفاظ على المصالح.

نعم البشرية قبل يومين كانت شاهد على إعلان وقح لأبشع كارتيلات المافيا السلطوية الذي ليس في جعبته سوى مقولة أنا وليذهب العالم من بعدي الى الجحيم.

د. فؤاد جمعة اكاديمي في دائرة العلوم السياسية و الاوروبية في جامعة شجيجين ببولونيا

This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

 

 

 

 

.facebook